الحوار الأخير للراحل محمد المهدي نقيب محامين الجيزة يروي ذكريات 100 عام لـ «قلعة الحريات»

♦♦ المهدي:تاريخ المحاماة يحتاج إلى أئمة من المؤرخين..و حلمت بالمحاماة وأنا طالب ثانوي.. ومارست العمل النقابي على مدار 75 سنة

♦♦ الملك سقط بعد تخلي الجيش عنه.. والبرادعي كان أول صوت معارض لعبدالناصر.. والشوربجي أتى نقيبًا للمحامين بطريقة ملتوية

♦♦ شاركت في التظاهرت ضد الإنجليزي وسني 14 سنة .. تركت التعليم إرضاءٍ لوالدي.. وعدت بعد ثلاث سنوات

 

 حوار رفيق سعيد

رحل منذ أكثر من ثلاثة أشهر، النقيب التاريخي لمحامين الجيزة، الراحل محمد حسن المهدي، الذي تولى النقابة أكثر من دورة، وحقق إنجازات شهد بها الكثير من محامي الجيزة.. النقيب محمد المهدي، توفي عن عمر ناهز الـ 100 عام، ما يعني أنه عاصر الكثير من الأحداث التاريخية، لنقابة المحامين، وأمضى في العمل بالمحاماة أكثر من ستين عامًا، وأكثر من ربع قرن نقيبًا للجيزة وأحد رموز جيل العملاقة، صفحات أخرى من تاريخ الوطن وتاريخ نقابة المحامين يرصد فيها النقيب الزمن الجميل للمحاماة ،ومن هنا كان لنا هذا الحوار التاريخي معه، لكي يتعلم شباب المحامين من رجل عاصر نقباء يشهد لهم التاريخ على مواقفهم الواطنية.. إلى نص الحوار..

21124253_1458817634215061_1292000544_n

• ما أصعب الفترات التي مرت على نقابة المحامين؟

أصعب فترة مرت على المحامين كانت من 1962 وحتى منتصف السبعينيات، وكان المحامون يعانون فيها شظف العيش.

• نعرف أنك تقدر نقيب المحامين الراحل مصطفى البرادعي.. حدثنا عن المواقف التاريخية له؟

أحد المحامين سافر إلى السعودية بصحبة زوجته كمرافق وظل هذا المحامي يبحث عن عمل في السعودية لفترة طويلة من الزمن، إلا أنه لم يوفق في ذلك، وتعرفت على هذا المحامي عند زيارتي للمملكة لأداء العمرة، وكنت أتابعه وأسأل عنه فيما إذا كان قد حصل على فرصة عمل أم لا، وكان الرد منه دائمًا أنه  لم يحصل على عمل، وفي المرة الثالثة للسؤال قابلته قال لي أنه حصل على عمل سألته كيف.. قال: « أرسلت جوابًا لمصطفى البرادعي وشرحت له ظروفي ولم يمر شهر إلا وكنت معينًا».

البرادعي فور علمه بمشكلة هذا المحامي وبالفحص في سجلات النقابة، ومعرفة أنه سدد جميع اشتراكاته وليس عليه أي عقوبات أرسل جوابًا له حثه فيه على مقابلة أحد المستشارين في السعودية، وبالفعل ذهب إليه المحامي وتم تعيينه، مع العلم أن هذا المحامي لم يساعد البرادعي في الانتخابات وليس لك أي علاقة به.

هكذا يكون العمل النقابي نقيب يخدم ناس في السعودية بمجرد أن بعث إليه بجواب أما اليوم فيعجز المحامي أن يقابل نقيبه.

• وماذا عن أسلوب البرادعي مع المحامين؟

كان أسلوبًا رفيعًا جدًا فكان يبدأ عمله من التاسعة صباحًا بتواجده في المحكمة للانتهاء من عمل الاستئناف أو النقض وفي الساعة العاشرة يتوجه للنقابة على أن يبدأ عمله النقابي في العاشرة، ويستمر حتى الثالثة ويغلق النقابة مع الموظفين.

وكان يتابع مشاكل المحامين من داخل النقابة بنفسه، فلو حدثت مشكلة في طنطا يسافر بنفسه لطنطا من أجل حل هذه المشكلة.

فكان أحد المحامين حدثت له مشكلة بالأزبكية فترك مكتبه بالنقابة وذهب إلى محكمة الأزبكية من أجل حل هذه المشكلة،  العمل النقابي يعني التفرغ لحل مشاكل المحامين والحفاظ على كرامتهم وليس محاميًا يترشح علشان يبقي نقيب وينفق مئات الألوف للوصول لمركز النقيب، ومن يفعل ذلك لديه مصالح معينة أما هؤلاء فليس لديهم أي مصالح فالبرادعي لم ينفق مليمًا واحدًا في الانتخابات.

• ما المواقف التي تحسب على البرادعي؟

أراد البرادعي أن يشيد مقرًا لنقابة المحامين العامة فكان له علاقة بأحد كبار المهندسين فطلب منه عمل مقر للنقابة في أعلى مستوى من الارتفاع بشرط أن يحتوي النقابة الحالية، بحيث لا يتم تغيير معالم النقابة، فبحث المهندس الموضوع وقال له إن النقابة ممكن أن تصل لـ 36 طابقًا وبالفعل بدأ البرادعي في السعي لإنشاء المقر، وتم عمل إعلان دولي ورسي العطاء على شركة إنجليزية، وكان من ضمن شروط الإعلان أن الشركة التي تتولى بناء النقابة لم تحصل على مليم بل تأخذ طابقًا حق انتفاع لمدة عشر سنوات مقابل المباني على أن يرد الطابق للنقابة بعد عشر سنوات للنقابة بحالة جيدة.

بعد إرساء العطاء على الشركة الإنجليزية سافر وكيل النقابة في ذلك الوقت لإنجلتر لتوقيع العقد مع الشركة الإنجليزية، وتم توقيع العقد وحصل على الماكيت الخاص بالمبني، وتم وضعه على طاولة صغيرة بجوار النقيب بحيث يراه الزائرون للنقيب.

وأثناء بحث الموضوع مع مجلس النقابة، قال أحد المحامين إن هناك مصلحة مادية وراء هذه العملية ومن هنا كانت غلطة البرادعي أنه عقب سماعة كلام المحامي لم يشر إلية بأي شيء ترك كرسيه وخرج والكل اعتقد أنه خرج لأي سبب إلا أنه ذهب لمكتبه، وطالب من الفراش وضع هذا الماكيت بالمخزن، وعاد للاجتماع وعاود أعضاء المجلس الحديث في الموضوع فقال لهم إنه تم إرجاء الموضوع.

وهذا الموضوع من الأخطاء التي تحسب على البرادعي، لأنه لا يصح أن الغضب يدفع إنسان بإهدار مصلحة تهم جميع المحامين حتى لا يتهم في شرفه وتعلمت من هذا الدرس أثناء عملي النقابي وأعتبر البرادعي أستاذي ومعلمي الأول وتعلمت على يديه منذ 1957وحتى وفاته في 1978.

العمل النقابي يحتاج إلى جُرأة، طالما أن الإنسان طاهر اليد، وعلى المحامين أن يكون أدرى بنفسهم ولايلتفتون لأحد ورعيت ذلك في عملي مستشهدًا بشرائه لمقر للعلاج بنقابة الجيزة عيادة شاملة.

المهدى

• حدثنا عن تاريخك السياسي والنقابي؟

شاركت في التظاهرات ضد الإنجليز وعمري 14 عامًا، تركت التعليم لإرضاء والدي الذى كان يعمل بالتجارة بأسيوط وأقعده المرض لكن سرعان ما عدت بعدها بثلاث سنوات، لأحقق حلم العمل بالمحاماة، تخرجت من الحقوق  1954بتقدير جيد ورسبت في كشف النظر في الكشف الطبي للنيابة، وحلفت اليمين أمام عمر عمر نقيب المحامين.

 اشتركت في العمل النقابي سنة 1975 أي بعد 20 سنة من العمل بالمحاماة وذلك بمنصب نقيب المحامين بالجيزة، وزاولت العمل النقابي مجردًا مثلما تعلمت من أساتذتي.

• ماذا عن علاقتك بوالدك وتأثير ذلك على عملك؟

في أحد السنوات الدراسية طالب مني والدي ترك الدراسة والعمل بالتجارة، نظرًا لمرضه واعتبرت ذلك قضاء على حلمي وهو العمل بالمحاماة، وبالفعل عملت بالتجارة لمدة ثلاث سنوات، نظرًا لاستمرار مرض والدي وفي السنة الثالثة لمرض والدي ولازال يرودني الحلم بالرجوع للدراسة.

وفي شهر فبراير كان تقديم طالبة المنازل، للتقديم للسنة الرابعة والتي كانت تسمي سنة الثقافة والسنة الخامسة التوجيهيه فقدمت طلب للسنة الثقافية إلى أنني لم أت بالكتب المدرسية، وكان الوقت ضيق جدًا فكنت أعمل من الثامنة صباحاً وحتي الثامنة مساء إلى أن جاء 5 مايو وكان لي نصيب أن أترك المحل وكان امتحان شهادة الثقافة في 5 يونيو أي باقي على الامتحان شهر و6 أيام وأتيت بالكتب ونجحت في هذه السنة بـ 80%..

وتحدثت مع والدي على أنه من الصعب على ترك الدراسة لمدة ثلاث سنوات، والأطفال الأقل مني بثلاث سنوات موجودين معي فالوضع ليس سهلا واقترحت أن أدخل مدرسة السعيدية بالقاهرة وبالفعل التحقت بالسعيدية ونجحت بنسبة 84% ودخلت الحقوق.

فالمحاماة كانت حلمًا لدي وتخرجت من الحقوق  1954 بتقدير جيد.

• ما هو تاريخ عملك بالمحاماة؟

 عملت بالمحاماة منذ 1954 أي ما يقرب من 61 عامًا وتم حلف اليمين أمام عمر عمر نقيب المحامين في ذلك الوقت إلى أنه تم حل المجلس وجاء عبدالرحمن الرافعي نقيبًا للمحامين، ومن ضمن أعضاء المجلس الشوربجي وعلى منصور، وكان أول تدريب لي في مكتب الاستاذ محمد عبدالرحيم المولد، وكان من كبار المحامين في ذلك التوقيت.

• وماذا عن عملك النقابي؟

اشتركت في العمل النقابة سنة 1975 أي بعد 20 سنة من العمل بالمحاماة، بمنصب نقيب المحامين بالجيزة، وكان من أبرز المرشحين ضدي عبدالعظيم الجزار نقيب المحامين الأسبق، ومحمود راضي وإبراهيم عبدالرحمن، واستمريت كنقيب للجيزة حتي 2000  تخللهما فترتين وهما فترة انتخاب النقيب البطران، وسنة 1995 الذي عملت فيها بالعمل في النقابة العامة.

وزاولت العمل النقابي مجرادًا مثلما تعلمت من أساتذتي، فالمحامي الذي يأتي إلى لمصلحة لا أنظر إليه على أنه صديق أو معرفة أو وقف معي في الانتخابات أو مسيحي ومسلم، واستدل بمثال قائلاً: “كان أحد المحامين المؤيدين للأستاذ البطران كان الخصم اللدود لي في الانتخابات هذا المحامي كان في الإصلاح الزراعي، والنقابة صرفت له مصاريف علاج 37 ألف جنيه رغم أنه يعمل بالقطاع الحكومي وكان من المحاربين لي علناً”.

وسرد مثالاً آخر للعمل النقابي: “كان هناك محام يدعى مشيل وكان مريضًا بالسرطان رجعت الملف الخاص به وتم صرف مبلغ مالي له  ولما أتي الغتوري وبدأت النزاعات بينى وبينه وكان يبعث ببعض أعوانه ومنهم بدر الطهطاوي وكان من ضمن الشائعات ضدي يقولون إنه أسيوطي فيجامل أهل أسيوط وزوجته من دمياط فيجامل أهل دمياط وإخوان مسلمين رغم أنني كنت ضد الإخوان وهوجمت هجومًا عنيفًا”.

وفي أحد الأيام كانوا في مكتبي ودخل على المحامي ميشيل الذي تم صرف مبلغ مالي لمساعدته في مرضه ليشكرني على ما قمت به ومن هنا قلت له أمام الجميع أنا أعرفك قبل كده قالي لا أن محامي في طنطا وكان بمثابة البراءة لي أمامهم.

• حدثنا عن ثورة 1952 وموقف نقابة المحامين منها؟

موقف نقابة المحامين من ثورة 1952، كان مشرفًا  بقيادة عمر عمر لحركة 1952، وكان الشعار:”نعم للتنحي ولا لحكم غير دستوري”، النقابة وجامعة القاهرة ومجلس الدولة برئاسة السنهوري كانوا يقودون الشعب المصري ضد الحكم غير المدني.

ونقابة المحامين  أول صوت معارض لثورة 1952 وعلى الهواء نقيب المحامين يطالب فى مؤتمر الاتحاد القومي الرئيس عبد الناصر بحريات ونظام دستوري مدني، وحرض النظام رابطة عمال النظافة لإصدار بيان يذاع في الراديو باستنكار موقف نقابة المحامين ثم يكمل بحل مجلس نقابة المحامين بقيادة عمر عمر ويعين مجلسا برئاسة عبد الرحمن الرافعي، الشوربجي.الحكومة في ذلك الوقت استطاعت أن تأتي بعمال ومنهم عمال النقل وعلى رأسهم من يدع “صاو” واستطاعوا أن يشلوا حركة المواصلات في البلد ويسيطرون على كل مقوماتها وتم ضرب السنهوري في مجلس الدولة، وطرده منه وتم اعتقال ثلاثة من أساتذة الجامعة في ذلك الوقت منهم الدكتور عبدالمنعم الشرقاوي والدكتور توفيق الشاوي وأغلقت الجامعة، وشددت الأحكام العسكرية والعرفية واعتقل الآلاف بل وصل الأمر إلى اعتقال مئات الألوف وذلك في 1954 وكانت أول مرة يحدث اعتقال بهذا العدد.

• حدثنا عن مواقف النقيب الشوربجي؟

كان يحتال للوصول لمنصب نقيب المحامين مدعيًا أنه معارض للنظام، ودعا عبد الناصر لدخول مبنى نقابة المحامين وارتدى روب المحاماة، والمحامون استنكروا هذا الموقف، لأن من مبادئ نقابة المحامين ألا تستقبل رئيسًا أتى بطريق غير دستوري.

• ماذا عن كواليس حل مجلس عمر عمر وتعيين الرافعي؟

بعد هذه الثورة هوجمت نقابة المحامين من عمال النظافة كأسلوب من أساليب التقليل من شأن النقابة قائلاً: “لقد سمعت مذيع الأذاعة بأذني يقول إن رابطة عمال النظافة تستنكر الموقف المخزي لنقابة المحامين” وكان على رأس نقابة المحامين في ذلك الوقت عمر عمر، وسيطرة الحكومة على الموقف وتم حل مجلس نقابة المحامين، وجاء عبدالرحمن الرافعي نقيبًا معينًا من قبل الحكومة ومجلس نقابة معين استمر من 1954 وحتى 1958 وفي 1958 انتهت هذه الفترة وبدأت انتخابات نقابة المحامين ترشح فيه  مصطفى البرادعي ورشحت الحكومة ضده عبدالعزيز الشوربجي الذي كان أحد الأعضاء المعينين في مجلس النقابة، ونجح البرادعي نجاحًا ساحقًا.

• ماذا عن علاقة النقيب البرادعي بالرئيس؟

نقابة المحامين كانت أول صوت معارض ضد النظام وسجل ذلك في التليفزيون  1962على لسان مصطفى البرادعي  في الاتحاد القومي قبل الاتحاد الاشتراكي وفي حضور جمال عبدالناصر، مشيرًا إلى أن مصطفى البرادعي وقف في هذا المؤتمر وطالب بعودة الحريات والديمقراطية، تأكيداً لأول صوت يرفع منذ 1952 وحتى 1962 ومن هنا بدأ الترتيب حتى يكون النقيب القادم لا يمثل المحامين إلى أن البرادعي نجح للمرة الثانية وكانت مدة النقابة سنتين ونجح من 1960 وحتى 1962 ومن 1962 إلى 1964 وليس له التجديد بعد ذلك .

• ومن أتى نقيبًا للمحامين بعد البرادعي وكواليس وصوله للمنصب؟

الشوربجي  واستطاع أن يأتي نقيبًا للمحامين لأنه لجأ لوسيلة غريبة الشأن لم تكن مما يسلكه المحامون وقتها، وقبل الانتخاب بـ 9 شهور، فبدأ يهاجم نظام الحكم ويهاجم “هيئة التحرير” وهي هيئة نظمتها الحكومة كحزب سياسي وعندما بدأت الانتخابات أعلنت الحكومة أن مرشحها فلان وليس الشوربجي مشيرًا إلى أن الشوربجي استطاع أن يوهم المحامين أنه مغضوب عليه من الحكومة وأنه أتى من صفوف المعارضة نائبًا  لجموع المحامين لإصلاح خطأه السابق واستطاع أن ينجح حتى يسقط مرشح الحكومة.

يبدو لي أن الحقيقة ظهرت بعد ذلك أن مرشح الحكومة الحقيقي هو الشوربجي وأفصح عن نفسه بدعوته عبدالناصر لنقابة المحامين وألبسه روب المحاماة وسجل التاريخ هذا الموقف، رغم أن مبادئ نقابة المحامين لا تستقبل رئيس أي دولة أتى بطريقة غير دستورية وأن الأشخاص الذين لا يأتون بنظام برلماني سليم لا يمكن للنقابة أن تستقبلهم واستمر الشوربجي نقيبًا لمدة سنتين.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

المدونة لدى وردبرس.كوم. قالب: Baskerville 2 بواسطة Anders Noren.

أعلى ↑

%d مدونون معجبون بهذه: